الشنقيطي
48
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )
هذه الآية تدل على أن المدد من الملائكة يوم بدر من ثلاثة آلاف إلى خمسة آلاف ، وقد ذكر تعالى في سورة الأنفال أن هذا المدد ألف بقوله : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ [ الأنفال : 9 ] الآية . والجواب عن هذا من وجهين : الأول - أنه وعدهم بألف أولا ثم صارت ثلاثة آلاف ثم صارت خمسة ، كما في هذه الآية . الوجه الثاني - أن آية الأنفال لم تقتصر على الألف بل أشارت إلى الزيادة المذكورة في آل عمران ولا سيما في قراءة نافع بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [ الأنفال : 9 ] بفتح الدال على صيغة المفعول لأن معنى مردفين متبوعين بغيرهم . وهذا هو الحق . وأما على قول من قال : إن المدد المذكور في آل عمران في يوم أحد ، والمذكور في الأنفال في يوم بدر ، فلا إشكال على قوله ، إلا في أن غزوة أحد لم يأت فيها مدد من الملائكة . والجواب : أن إتيان المدد فيها على القول به مشروط بالصبر والتقوى في قوله : بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ [ آل عمران : 125 ] الآية . ولما لم يصبروا ويتقوا لم يأت المدد . وهذا قول مجاهد وعكرمة والضحاك والزهري وموسى بن عقبة وغيرهم ، قاله ابن كثير . قوله تعالى : فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ [ 153 ] الآية . قوله تعالى : فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ أي غما على غم يعني حزنا على حزن أو أثابكم غما بسبب غمكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعصيان أمره ، والمناسب لهذا الغم بحسب ما يسبق الذهن أن يقول لكي تحزنوا . أما قوله : لِكَيْلا تَحْزَنُوا فهو مشكل لأن الغم سبب للحزن لا لعدمه . والجواب عن هذا من أوجه : الأول - أن قوله لِكَيْلا تَحْزَنُوا متعلق بقوله تعالى : وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ [ آل عمران : 152 ] ، وعليه فالمعنى أنه تعالى عفا عنكم لتكون حلاوة عفوة